الوجه هو الهوية.. البروفسور غرس الله تكشف لعين الجزائر ...
- الصحفي دلال بوعلام --
- 2026-01-05 --
- 11:37:43
كيف يُصلح الأطباء مفصل الحياة ويرممون التشوهات
المعقدة
الترميم الدقيق جراحة الفك والوجه.. المعركة اليومية لاستعادة
التناسق والثقة بالنفس
تُعدّ جراحة الوجه والفكين (Maxillofacial Surgery) تخصصاً دقيقاً يجمع بين الفن الجمالي والوظيفة الحيوية، فجراحو هذا المجال لا يُصلحون كسوراً أو يُزيلون أوراماً فحسب، بل يُعيدون بناء هوية المريض وثقته بنفسه. وفي ظل التحديات التي يفرضها الواقع الصحي وضرورة التعامل مع إصابات الوجه المتزايدة، يبرز هذا التخصص كركيزة أساسية لاستعادة الجودة الحياتية.
ولوضع القارئ في قلب هذا التخصص الحيوي، كان لعين الجزائر هذا اللقاء
المتعمق مع البروفيسور فضيلة غرس الله رئيسة مصلحة جراحة الوجه و الفكين و
الجراحة الترميمية و التجميلية بالمستشفى الجامعي ابن باديس التي تشاركنا من واقع
خبرتها اليومية في المستشفى الجامعي ابن باديس بقسنطينة، صورة واضحة عن النطاق
الوظيفي والجمالي لهذا الفرع الطبي، وأبرز التحديات التي تواجه الفريق الطبي أثناء
تقديم الخدمة، وصولاً إلى كشفها عن أكثر الإصابات شيوعاً التي تُهدد سلامة وجه
الإنسان وضرورة تبني ثقافة وقائية لحماية "مرآة الروح" من التشوهات.
حوار: دلال بوعلام
بصفتك دكتورة في جراحة الفك والوجه، هل يمكنك أن تضعي القارئ في صورة واضحة
عن نطاق هذا التخصص وأهميته الوظيفية والجمالية؟
جراحة الوجه والفكّين تشمل إصلاح كسور الوجه والفكين (الذقن، الفكّ السفلي،
عظمة الوجنة، العيون، الأنف)، إلى جانب جراحات تشويهية ووظيفية—مثل جراحات تصحيح
اضطراب المضغ ، وخلل مفصل الفكّ، استئصال أورام الوجه والرقبة وإعادة البناء بعد
ذلك بالإضافة إلى الجراحات الترقيعية/التجميلية للوجه (تصحيح عيوب خلقية مثل الشفة
الأرنبية والحنك وتشوهات النمو)، زراعة الأسنان والعظام، و خصوصا الحالات المعقدة
بعد الرضوض، و التشوهات، جراحة الميكروأنسجة وإعادة بناء العيوب الكبيرة،
فالوجه هو محور الهوية؛ إصلاح التشوهات يحسّن التناسق، الثقة بالنفس، والجودة
الحياتية، للكبير و الصغير.
ما هو أكثر تحدٍّ تواجهونه كجرّاحين في هذا المجال حالياً، سواء في التشخيص
أو أثناء الإجراء الجراحي؟
في الوقت الحالي، نواجه كجرّاحي الوجه والفكين في قسنطينة عدّة تحديات
جوهرية، أهمها التشخيص المتأخر كثير من الحالات، خصوصاً الأورام وأمراض المفصل
الفكي والنمو غير المتوازن للعظام، تصل في مراحل متقدمة، مما يجعل وضع خطة علاجية
دقيقة أكثر تعقيداً، كذلك نقص وسائل التصوير المتقدمة رغم توفر أساسيات التشخيص،
إلا أنّ محدودية الوصول الدائم لتقنيات مثل الـ CBCT أو التصوير ثلاثي
الأبعاد عالي الدقة يشكّل تحدياً يؤثر على دقّة التخطيط الجراحي، الضغط
الكبير على مصلحة الجراحة، العدد المرتفع للمرضى مقارنة بعدد الجراحين والإمكانيات
يجعلنا أمام تحدٍّ في ضبط المواعيد وتوفير متابعة دقيقة لكل الحالات، خصوصاً
الحالات الاستعجالية إلى جانب نقص بعض التجهيزات المتخصصة في بعض الإجراءات
الدقيقة، مثل جراحة التشوهاتla chirurgie orthognatique أو جراحة الأورام
المعقّدة، نواجه أحياناً نقصاً في الأدوات المتقدمة أو في مواد الترميم الحديثة
بالإضافة إلى الحالات المعقدة المحوّلة من ولايات مجاورة ،فمستشفى قسنطينة يعتبر
مرجعياً، مما يرفع حجم الحالات الصعبة ويضع الفريق الجراحي أمام مسؤوليات تقنية
كبيرة.
ما هي أكثر أنواع كسور أو ندبات الوجه والفكين شيوعاً التي ترونها نتيجة
لحوادث السير أو السقوط أو الاعتداءات؟
في مصلحة جراحة الوجه والفكين بقسنطينة، نستقبل يوميا من 45 الى 65 حالة
على مستوى مصلحة الاستعجالات للمستشفى الجامعي ابن باديس، نلاحظ أنّ أكثر الإصابات
شيوعاً تأتي نتيجة حوادث المرور، فنستقبل يوميًا ما لا يقلّ عن 5 إلى 6 حالات كسور
في عظام الأنف، غالبًا ما تكون ناتجة عن حوادث المرور أو الاعتداءات.
يليها السقوط، ثم الاعتداءات الجسدية. وأكثر الأنواع التي نستقبلها هي كسور
الفك السفلي (Fracture mandibulaire)
وهي الأكثر شيوعاً، خاصة في مناطق: زاوية الفك، اللقمة، والذقن ،وترتبط
غالباً بحوادث المرور أو الضربات المباشرة، كسور عظام الوجنة (Fracture du malaire et l'arcade zygomatique)
وهي شائعة في الاعتداءات والسقوط، وتؤثر على جماليات الوجه والرؤية
أحياناً، كسور الحجاج (fractures du cadre orbitaire)
وخاصة كسر أرضية الحجاج، وتظهر مع رؤية مزدوجة وتشوهات مؤثرة على الوظيفة
والشكل و
كسور الفك العلوي من نوع Le Fort
وتظهر غالباً في حوادث السير العنيفة، وتعد من الإصابات التي تتطلب تدخلاً
دقيقاً، بالإضافة إلى الندبات الناتجة عن الجروح العميقة
خصوصاً في الخد والجبهة والذقن عند ضحايا الاعتداءات أو السقوط، وقد تكون
مشوِّهة إذا لم تُعالج أولياً بطريقة صحيحة.
ما هي أكثر الحالات تعقيداً؟
الحالات الأكثر تعقيداً هي الكسور المتعددة في الوجه (Pan-facial fractures) عندما تترافق كسور
الفك العلوي والسفلي والحجاج والوجنة معاً،
هذه الإصابات تحتاج خطة ترميم دقيقة وترتيب خاص لإعادة بناء الوجه، كذلك
كسور قاعدة الجمجمة المترافقة مع كسور الوجه تمثل تحدياً كبيراً بسبب خطورتها
وقربها من الأعصاب الحيوية، وأيضا كسور اللقمة الفكية عند الأطفال لأنها قد تؤثر
على نمو الفك مستقبلاً وتحتاج مراقبة طويلة المدى، نجد أيضا الندبات القديمة أو
المشوِّهة les cicatrices et les cheloides خصوصاً التي تكون
متقلصة أو ناتجة عن حروق أو إصابات مهملة، لأنها تتطلب جراحة ترميمية دقيقة
أحياناً باستخدام تقنيات متقدمة،
الكسور المفتوحة مع فقدان العظم أو الأنسجة les fractures ouvertes de la face
مثل حالات الدهس أو الطعنات، والتي تحتاج تعويضاً دقيقاً للعظام والأنسجة
الرخوة.
استناداً إلى خبرتكم، ما هي أهم الرسائل الوقائية التي توجهونها للأفراد
لتقليل هذه الحوادث وإصابات الوجه والفكين؟
من خلال خبرتنا اليومية في جراحة الوجه والفكين، نرى أن جزءاً كبيراً من
الإصابات يمكن تجنّبه باتباع سلوكيات بسيطة، لكنها فعّالة جداً في الوقاية. وأبرز
الرسائل التي نوجّهها للجمهور هي الالتزام بوضع حزام الأمان فهو يقلّل بشكل كبير
من عنف الإصابة عند حوادث المرور، ويخفّض نسبة كسور الفك والوجنة والحجاج،
تجنّب استعمال الهاتف أثناء القيادة لأنّ ثواني قليلة من فقدان التركيز قد تؤدي إلى
إصابات بليغة ومشوِّهة للوجه، من بين الرسائل الوقائية أيضا ارتداء خوذة معتمدة
عند قيادة الدراجات النارية أو الهوائية فالخوذة تقلل الإصابات الخطيرة في
الفك والجمجمة بنسبة كبيرة، كذلك الحرص على وقاية الأطفال خاصة داخل المنزل
والمدرسة، وذلك بتأمين السلالم، ومراقبة الأطفال في أماكن اللعب لتقليل حوادث
السقوط، معالجة النزاعات بطرق حضارية لأنّ نسبة معتبرة من كسور الوجه نراها نتيجة
الاعتداءات الجسدية التي يمكن تجنّبها بالحوار وتجنّب العنف، تجنّب
الممارسات الرياضية العنيفة دون حماية مثل الملاكمة أو الرياضات القتالية دون
واقيات للفم والخوذة، والتقليل من السياقة بسرعة كبيرة فمعظم الإصابات الأكثر
تعقيداً ترتبط بحوادث السير ذات| السرعة المرتفعة، و تجنّب السير في المناطق
الخطرة ليلاً لتقليل احتمال التعرض للاعتداءات أو السقوط في أماكن غير
مضاءة، والاستشارة الطبية المبكرة عند حدوث إصابة لأنّ التشخيص المبكر يمنع
سوء الالتئام، ويساعد على تجنّب الندبات والنتائج المشوِّهة.
دلال بوعلام
