'شباح السفرة' ماركة قسنطينية تحفظ  نكهة التقاليد

'شباح السفرة' ماركة قسنطينية تحفظ نكهة التقاليد

الطبق الملكي العثماني… عادات راسخة توارثتها العائلات القسنطينية وتمنح الإفطار طابعاً تراثياً مميزاً

 


عين الجزائر – تتصدر “الجاري” أو الشربة القسنطينية موائد الإفطار في قسنطينة خلال شهر رمضان، إذ لا تكاد تخلو مائدة منها باعتبارها الطبق الذي يفتتح وجبة الإفطار ويعيد للصائم طاقته بعد يوم طويل من الصيام. وتحضَّر غالباً بالفريك الذي تحرص ربات البيوت على اقتنائه مبكراً   استعداداً للشهر الفضيل، ليبقى حاضراً بطعمه المميز الذي ارتبط بذاكرة رمضان لدى العائلات القسنطينية.

 

قسنطينة : صبرينة بن خريف

وإلى جانب الجاري، تبرز أطباق أخرى لا تقل حضوراً، يأتي في مقدمتها “شباح السفرة”، الطبق التقليدي الفاخر الذي يجمع بين النكهة الحلوة والمالحة ويمنح المائدة لمسة احتفالية مميزة. ويُعد هذا الطبق من الأكلات العريقة التي تعود إلى العهد العثماني، حيث تشير الروايات المتداولة إلى أنه كان يزين موائد قصر أحمد باي، قبل أن تتوارثه نساء المدينة جيلاً بعد جيل ليصبح رمزاً من رموز المطبخ القسنطيني.

 

وتحكي الذاكرة الشعبية أن تسمية “شباح السفرة” ارتبطت بحكاية عائشة ابنة الباي صالح، التي كانت مولعة بابتكار وصفات جديدة. فبعد محاولة فاشلة لإعداد حلوى اللوز، حولت الخليط إلى مرق حلو باللحم والفواكه الجافة، وعندما تذوقه والدها أعجب به قائلاً: “اليوم شبحتِ السفرة”، ليُخلّد الاسم منذ ذلك الحين ويصبح هذا الطبق جزءاً من التراث الغذائي للمدينة.




يُحضَّر “شباح السفرة” من اللوز المطحون والسكر والقرفة وصفار البيض وماء الزهر، يُعجن الخليط ويُشكَّل في أشكال متنوعة مثل الهلال والنجوم والقلوب، ثم يُقلى ويضاف إلى مرق حلو يحتوي على اللحم والفواكه الجافة والمكسرات، في توازن فريد يجمع بين الطعمين الحلو والمالح.

 

ويُقدَّم هذا الطبق خلال المناسبات والأفراح، لكنه يحظى بمكانة خاصة في رمضان، حيث تحرص العائلات على تقديمه في الأيام الأولى ومنتصف الشهر وآخره، تعبيراً عن التفاؤل بأن يكون الشهر حلواً في بدايته ووسطه ونهايته

 

كما يرى كبار السن أن مائدة رمضان لا تكتمل بدونه، لما يحمله من رمزية تعكس الكرم والفرح وروح العائلة.

 

ولا تقتصر خصوصية المائدة القسنطينية على الجاري و“شباح السفرة” فقط، إذ يحضر البوراك أو “البريك” بالتسمية المحلية محشواً باللحم المفروم والبقدونس والبطاطا والبصل، مع بيضة تُكسر داخله قبل قليه وتقديمه ساخناً

 

 

في سياق حديثها عن التحضيرات لشهر رمضان الفضيل والحفاظ على الموروث اللامادي في الجزائر، أكدت رئيسة الفيدرالية الوطنية للحرفيين والصناعات التقليدية،  حياة طلحة،  في تصربح لعين الجزائر أن موائد سكان قسنطينة تظل وفية لتقاليدها الضاربة في التاريخ، حيث لا تكتمل السفرة الرمضانية دون حضور طبق “الجاري” القسنطيني الأصيل الذي يُعد سيد المائدة، إلى جانب طبق “شباح السفرة” الذي يضفي على القعدة الرمضانية لمسة أنيقة ونكهة اللوز المعطر بماء الورد.

 

وأوضحت طلحة أن سر تميز المائدة القسنطينية يكمن في تلك التشكيلة المتناغمة التي توارثتها الأجيال، مشيرة إلى أن طبق “الجاري” بالفريك  يكتمل حضوره بوجود “البوراك” المقرمش وأنواع السلطات التقليدية التي تفتح الشهية.

 

 كما أشارت إلى الدور الجوهري لخبز “الرخسيس” القسنطيني الشهير، الذي يُعد علامة مميزة للمدينة، إذ يرافق مختلف الأطباق ويمنحها نكهة الأصالة والبركة التي تميز بيوت “قسنطينة ”.

 

وخلصت رئيسة الفيدرالية إلى أن هذه الأطباق، من “الجاري” و“شباح السفرة” إلى “الرخسيس”، ليست مجرد وجبات لسد الجوع، بل رموز ثقافية تعكس رقي العائلات القسنطينية وتمسكها بهويتها، رغم تعاقب السنين وتغير أنماط الاستهلاك.