الجزائر فاعل طاقوي صاعد… بين رهانات أوروبا وتحولات الجغرافيا السياسية

الجزائر فاعل طاقوي صاعد… بين رهانات أوروبا وتحولات الجغرافيا السياسية


عين الجزائر | حوار خاص  

حوار مع  الخبير الاقتصادي السيد "عبد القادر سليماني"


في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، من تداعيات الحرب في أوكرانيا إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، برزت الجزائر كأحد أهم الفاعلين في معادلة الأمن الطاقوي، خاصة بالنسبة لأوروبا. وتأتي زيارة جورجيا ميلوني إلى الجزائر لتعكس هذا التحول الاستراتيجي في العلاقات الثنائية، وتفتح آفاقًا جديدة لشراكة متعددة الأبعاد.


في هذا السياق، تحاور “عين الجزائر” المحلل الاقتصادي عبد القادر سليماني لفهم أبعاد هذه الزيارة ودلالاتها الاقتصادية والجيوسياسية.


حاورته : فريال رويبح 


عين الجزائر: كيف تقرأون دلالات زيارة جورجيا ميلوني إلى الجزائر في هذا الظرف الدولي الحساس؟

عبد القادر سليماني:  

هذه الزيارة تعكس دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز الطابع البروتوكولي، فهي تأتي في سياق تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، جعلت من الجزائر فاعلًا محوريًا في معادلة الطاقة والأمن في حوض المتوسط. إيطاليا اليوم تسعى إلى ترسيخ شراكة طويلة المدى مع الجزائر باعتبارها موردًا موثوقًا للطاقة وشريكًا سياسيًا مستقرًا، بما يعزز طموحها للتحول إلى مركز أوروبي لتوزيع الغاز.


عين الجزائر : هل تمثل هذه الزيارة تحولًا في العلاقات الجزائرية–الإيطالية أم امتدادًا لمسار قائم؟

عبد القادر سليماني:  

هي في الحقيقة ليست قطيعة مع الماضي، بل تتويج لمسار شراكة استراتيجية قائم، لكنها تحمل في الوقت نفسه نقلة نوعية في العمق والرهانات. العلاقة بين البلدين انتقلت من تعاون تقليدي قائم على الطاقة إلى تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد يشمل الاقتصاد والأمن والجيوسياسة، ما يجعلها اليوم شراكة محورية في الفضاء المتوسطي.


عين الجزائر : ما الذي يدفع إيطاليا إلى تعزيز شراكتها مع الجزائر في مجال الطاقة؟

عبد القادر سليماني:  

الأرقام تفسر ذلك بوضوح. الجزائر توفر لإيطاليا أكثر من 30 إلى 35 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز عبر أنبوب “ترانسميد”، أي ما يمثل نسبة معتبرة من احتياجاتها. كما أن إيطاليا، باعتبارها ثالث أكبر اقتصاد أوروبي، تعتمد بشكل كبير على الغاز لإنتاج الكهرباء. في ظل اضطرابات الإمدادات العالمية، خاصة مع التوترات في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا، أصبحت الجزائر خيارًا استراتيجيًا موثوقًا.


عين الجزائر : كثيرًا ما تُوصف الجزائر بأنها “شريك موثوق” لأوروبا، ماذا يعني ذلك عمليًا؟

عبد القادر سليماني:

عندما نتحدث عن شريك موثوق، فنحن نتحدث عن دولة تحترم التزاماتها في كل الظروف. الجزائر، حتى خلال الأزمات الدولية الكبرى مثل الحرب في أوكرانيا أو التوترات في الشرق الأوسط، حافظت على إمداداتها نحو أوروبا دون انقطاع. هذا ما جعلها تكتسب مصداقية كبيرة مقارنة ببعض الموردين الآخرين الذين تأثرت صادراتهم بعوامل سياسية أو جيوسياسية.


الجزائر اليوم لا تبيع الغاز فقط، بل تبيع الاستقرار والموثوقية، وهذا عنصر استراتيجي في معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي


 كيف تقيّمون موقع الجزائر اليوم في معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي؟

عبد القادر سليماني:  

الجزائر اليوم تلعب دورًا محوريًا في تأمين الطاقة لأوروبا، حيث تساهم بنسبة تقارب 12% من احتياجاتها من الغاز. كما أنها تتميز ببنية تحتية قوية، من خلال أنابيب تربطها مباشرة بأوروبا، على غرار خط “ترانسميد”. إضافة إلى ذلك، فإن موثوقية الجزائر والتزامها بتعهداتها جعلها شريكًا مفضلًا مقارنة ببعض الموردين الآخرين. 


عين الجزائر : لا يقتصر التعاون الطاقوي على إيطاليا فقط، كيف تقيّمون علاقات الجزائر مع بقية الشركاء الأوروبيين مثل إسبانيا وفرنسا؟

عبد القادر سليماني:

الجزائر لا تتعامل مع إيطاليا بمعزل عن بقية أوروبا، بل هي اليوم شريك طاقوي أساسي لعدة دول أوروبية، على غرار إسبانيا وفرنسا والبرتغال. ما يميز الجزائر هو التزامها الدائم بتدفقات الغاز حتى في أصعب الظروف، وهو ما جعلها تُصنّف كشريك موثوق وآمن. هذا العامل مهم جدًا في ظل الاضطرابات العالمية، حيث تبحث الدول الأوروبية عن موردين يضمنون الاستقرار وليس فقط الكميات


عين الجزائر : في ظل التوترات في الخليج وإمكانية اضطراب الإمدادات، كيف يمكن أن تستفيد الجزائر من هذا الوضع؟

عبد القادر سليماني:  

في حال استمرار التوترات أو تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، فإن الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري سيرتفع بشكل كبير. الجزائر تمتلك هامشًا لزيادة الإنتاج، لكنها تحتاج إلى استثمارات إضافية. وهنا تبرز فرصة حقيقية لإعادة رسم خريطة الطاقة لصالحها.


عين الجزائر : هل الجزائر قادرة على رفع إنتاجها لتلبية الطلب الأوروبي المتزايد؟

عبد القادر سليماني:  

الجزائر تسعى لرفع إنتاجها من حوالي 150 مليار متر مكعب إلى نحو 200 مليار متر مكعب سنويًا، لكن هذا الهدف يتطلب استثمارات ضخمة وشراكات دولية. شركة سوناطراك وحدها لا يمكنها تحقيق ذلك دون دعم أوروبي، سواء من حيث التمويل أو نقل التكنولوجيا.


عين الجزائر : ما دور الشركات الإيطالية في تعزيز هذه الشراكة؟

عبد القادر سليماني:  

هناك حضور قوي للشركات الإيطالية في الجزائر، خاصة شركة إيني التي تستثمر بأكثر من 8 مليارات دولار بالشراكة مع سوناطراك. إضافة إلى ذلك، هناك أكثر من 200 شركة إيطالية تنشط في مجالات الصناعة، الزراعة، والتكنولوجيا، ما يعكس رغبة حقيقية في بناء شراكة اقتصادية شاملة.


عين الجزائر : هل تقتصر الشراكة على قطاع الغاز فقط؟

عبد القادر سليماني:  

لا، هناك توجه واضح نحو تنويع الشراكة، خاصة في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر. الجزائر طرحت مشاريع لإنتاج أكثر من 15 ألف ميغاوات من الكهرباء النظيفة، وتسعى لتصدير الفائض نحو أوروبا. كما أن هناك مشاريع لربط الجزائر بأوروبا عبر كابلات كهربائية بحرية.


عين الجزائر : ما الرسالة التي توجهها الجزائر اليوم إلى أوروبا؟

عبد القادر سليماني:  

الرسالة واضحة: إذا أرادت أوروبا مزيدًا من الطاقة، فعليها الاستثمار في الجزائر. الجزائر توفر الاستقرار، الموارد، والإطار القانوني، لكنها تحتاج إلى شراكات حقيقية قائمة على نقل التكنولوجيا وتمويل المشاريع.


عين الجزائر : كيف ترون مستقبل الشراكة الجزائرية–الإيطالية؟

عبد القادر سليماني:  

نحن أمام تحالف استراتيجي صاعد، قد يعيد تشكيل التوازنات في حوض المتوسط. الجزائر لم تعد مجرد مورد تقليدي للطاقة، بل أصبحت شريكًا جيوإستراتيجيًا مؤثرًا، قادرًا على لعب دور محوري في أمن الطاقة الأوروبي وربط أوروبا بإفريقيا و عليه 

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن زيارة جورجيا ميلوني إلى الجزائر ليست مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل خطوة ضمن مسار إعادة تشكيل خريطة الطاقة والتحالفات في المنطقة، حيث تبرز الجزائر كقوة طاقوية صاعدة .