استراتيجية جديدة لمواجهة عصابات الأحياء.. الجزائر تنتقل من الردع الجنائي إلى الوقاية الاستباقية

استراتيجية جديدة لمواجهة عصابات الأحياء.. الجزائر تنتقل من الردع الجنائي إلى الوقاية الاستباقية

الجزائر : فريال رويبح

الجزائرتشهد السياسة الجنائية في الجزائر تحولا نوعيا في آليات التصدي لظاهرة عصابات الأحياء، من خلال اعتماد مقاربة جديدة تقوم على الجمع بين تشديد الردع الجنائي وتعزيز الوقاية الاستباقية، وذلك في إطار تجسيد أحكام الأمر رقم 20-03 المؤرخ في 30 أوت 2020 المتعلق بالوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها، والمدعم بالمرسوم التنفيذي رقم 21-123 المؤرخ في 29 مارس 2021.

 

وعليه ابرزت الباحثة بسمة بوصوغة، في دراسة بعنوان "الاستراتيجية الجديدة لمكافحة عصابات الأحياء.. من الردع الجنائي إلى الوقاية الاستباقية"، أن الدولة اعتمدت رؤية متكاملة لمواجهة هذه الظاهرة، تقوم على منع أسباب انتشارها قبل وقوعها، بالتوازي مع تشديد العقوبات المقررة بحق المتورطين في مختلف الجرائم المرتبطة بها.

وأوضحت الدراسة أن المشرع الجزائري عرّف عصابة الأحياء بأنها كل مجموعة تتكون من شخصين أو أكثر تنتمي إلى حي سكني واحد أو عدة أحياء، وتهدف إلى بث الرعب وانعدام الأمن أو فرض السيطرة داخل الأحياء السكنية أو غيرها، من خلال الاعتداءات الجسدية أو المعنوية أو تعريض حياة الأشخاص للخطر باستعمال الأسلحة البيضاء الظاهرة أو المخبأة.

وفي جانب الردع الجنائي، أشارت بسمة بوصوغة إلى أن الأمر 20-03 أقر منظومة عقابية صارمة تشمل جميع المتورطين، سواء كانوا فاعلين أصليين أو شركاء أو محرضين، كما تمتد العقوبات إلى الشروع في ارتكاب الجرائم حتى وإن لم تكتمل.

وتتراوح العقوبات، وفق الدراسة، بين السجن من ثلاث إلى عشر سنوات وغرامات مالية تصل إلى مليون دينار بحق كل من ينشئ أو ينظم أو ينخرط أو يجند أشخاصا لصالح عصابات الأحياء، فيما تصل العقوبة إلى السجن من عشر إلى عشرين سنة وغرامة مالية قدرها مليونا دينار بحق كل من يتولى قيادة هذه العصابات.

كما يعاقب القانون كل من يمول أو يشجع أو يدعم أنشطة عصابات الأحياء أو يروج لأفكارها بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات، في حين تصل العقوبات إلى السجن من خمس إلى خمس عشرة سنة في حالات المشاركة في المشاجرات أو أعمال العنف بين العصابات التي تفضي إلى وفاة أحد الأشخاص، مع تشديد العقوبات في حالة العود والحد من إمكانية الاستفادة من الظروف المخففة.

وفي الجانب الوقائي، أكدت الدراسة أن المشرع لم يكتف بالحلول العقابية، بل استحدث اللجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء، الموضوعة لدى الوزير المكلف بالداخلية، إلى جانب لجان ولائية تتولى تنفيذ السياسة الوطنية على المستوى المحلي.

وتتولى هذه اللجان إعداد الاستراتيجية الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء، ومتابعة تنفيذها، واقتراح التدابير القانونية والإدارية الكفيلة بتطوير آليات الوقاية، فضلا عن تقييم مدى فعاليتها وتقديم المقترحات الكفيلة بتحسينها.

وترى الباحثة أن تنصيب اللجنة الوطنية يجسد الانتقال الفعلي من مرحلة سن النصوص القانونية إلى مرحلة التطبيق الميداني، من خلال اعتماد آليات اليقظة والإنذار المبكر لرصد مؤشرات تشكل العصابات والتدخل قبل وقوع الجريمة، بما يعزز حماية الأمن والسكينة العموميين.

وأكدت الدراسة أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل مرهونا بتكامل أدوار مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم الأسرة والمدرسة والمسجد ومؤسسات المجتمع المدني، باعتبارها الشريك الأساسي في حماية الشباب من الانحراف، إلى جانب دعم العمل الاستخباراتي والأمني وتوظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات ورصد بؤر الإجرام وتطوير منصات آمنة للتبليغ عن نشاط عصابات الأحياء.

وخلصت الدراسة إلى أن المقاربة الجزائرية الجديدة لم تعد تقتصر على العقاب بعد وقوع الجريمة، بل أصبحت تعتمد سياسة استباقية شاملة تستهدف الوقاية والتدخل المبكر، بما يعزز الأمن العمومي ويحد من انتشار هذه الظاهرة داخل المجتمع.