من عَبقِ سيرتا الشامخةِ وبسحرِ الملايةِ والحايك.. عين الجزائر توثقُ عودةَ الروح إلى أزقةِ قسنطينة
- الصحفي دلال بوعلام/صبرينة بن خريف --
- 2026-05-15 --
- 23:13:17
من قلبِ الصرحِ التاريخي الشامخ، متحف "قصر الحاج أحمد باي"، وفي أجواءٍ مفعمةٍ بعبقِ الماضي الجميل، انطلقت الطبعة الخامسة لتظاهرة "يوم الملاية والحايك" تحت شعار "تراثنا حضارتنا"
متابعة : دلال بوعلام/صبرينة بن خريف
وفي مشهد احتفالي بهيج، جسّد عمق الارتباط بالموروث الثقافي، خرجت الشابات اللواتي ارتدين “الملاية” و”الحايك” من أروقة قصر الحاج أحمد باي وسط الزغاريد ورفع الأعلام ونثر الورود، في أجواء غمرتها الفرحة والاعتزاز، وكأنهن عرائس في يوم زفاف، حيث جابوا شوارع “مدينة الصخر العتيق” في موكب تراثي يعكس جمال هذا اللباس التقليدي الأصيل وعمق حضوره في الذاكرة الجماعية لسكان قسنطينة.
رافقت "عين الجزائر" اللحظات الأولى لخروج القافلة، حيث تمازج سواد الملاية القسنطينية بهيبتها المعهودة مع بياض الحايك العاصمي في مشهدٍ سريالي أعاد الاعتبار لهذا الموروث الذي يمثل "الروح" قبل المادة.
هذه النسخة التي خُصصت لتكريم الروائية الكبيرة أحلام مستغانمي، لم تكن مجرد عرضٍ عابر، بل كانت ورشةً حيةً لتعليم الجيل الجديد كيف تتحول قطعة قماش إلى "كيانٍ" يختصر معاني الستر والعفة، حيث فتحت أروقة القصر أبوابها للتعريف بتفاصيل هذا اللباس وطريقة ارتدائه.
هديلُ الزغاريدِ فوقَ الجسورِ المعلّقة: حين تعانقُ الأعلامُ شموخَ "قنطرة السبيطار"
بخطىً ثقيلةٍ بالأصالة، شقت القافلة النسوية طريقها عبر المسارات الجميلة للمدينة القديمة، وسط ذهول واستحسان الزوار والمارة"عين الجزائر" وثقت اللحظات التاريخية التي رفعت فيها القسنطينيات العلم الوطني عالياً، ليرفرف جنباً إلى جنب مع بياض الحايك وسواد الملاية، في لوحةٍ وطنيةٍ بامتياز أعادت للذاكرة الجماعية حقبة السبعينيات والثمانينيات.
اللحظة الأكثر تأثيراً كانت عند وصول "قنطرة السبيطار" ذلك المعلم الذي شهد تعانق التاريخ بنفسه، حيث التقى شموخ الجسور مع وقار اللباس التقليدي وسط زغاريد دوت في أرجاء المكان وهزت مشاعر المارة.
واصلت القافلة مسيرها بزهو، تجوب الحواري وصولاً إلى ساحة "سيدي جليس"، القلب النابض للمدينة القديمة، محولةً الشوارع إلى عرسٍ تراثي مفتوح يغرس روح الانتماء في جسد "سيرتا" من جديد.
خلال الجولة الميدانية لـ "عين الجزائر" استوقفتنا ملامح كبار السن الذين اغرورقت أعينهم بالدموع وهم يشاهدون هذا الموكب، مؤكدين أن هذه التظاهرة هي ردّ اعتبار لجيلٍ صنع الاستقلال بالحشمة والبارود. لم تكن الملاية والحايك يوماً مجرد "قطعة قماش" للزينة، بل كانا سلاحاً وستراً للمجاهدات إبان الثورة التحريرية؛ فخلف تلك الطيات السوداء والبيضاء نُقلت الرسائل وصُنعت المعجزات بعيداً عن أعين المستعمر الفرنسي. هذا البعد النضالي هو ما ركزت عليه التظاهرة، لتذكير الشباب بأن لباس الحشمة كان في صلب معركة الكرامة، وأن الملاية التي غابت تماماً ، تعود اليوم لتؤكد أنها جزءٌ لا يتجزأ من الثقافة الجزائرية، وحصنٌ منيع يحمي الذاكرة
شابات يؤكدن تمسكهن بالهوية والتراث الجزائري
على هامش هذا العرس التراثي، التقت “عين الجزائر” بشاباتٍ في مقتبل العمر، قررن ارتداء موروث جداتهن بكل فخر واعتزاز، مؤكدات أن بنات قسنطينة هن الحارس الأول لهذا التراث العريق.
وفي تصريح لكوثر، وهي ترتدي الملاية القسنطينية، قالت: “الملاية ليست مجرد قطعة قماش، بل هي تاريخ الجزائر ورمز الأصالة، وارتدائي لها اليوم رسالة بأننا لن نفرط في هويتنا”.
أما الشابة آمال، فقد عبرت عن سعادتها بتمازج “القندورة” والحايك، مشيرة إلى أن نظرات الإعجاب والتقدير التي لقيتها من المارة تمنحها دافعاً أكبر للاستمرار في الحفاظ على هذا الإرث ونقله للأجيال القادمة، مؤكدة أن اللباس التقليدي الجزائري سيبقى حاضراً بقوة في وجدان البنات والشباب، باعتباره جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية.
مريم قبايلية تؤكد: “الملاية والحايك” رمز للهوية الوطنية وذاكرة المرأة الجزائرية
أكدت مديرة قصر الحاج أحمد باي، مريم قبايلية، أن الطبعة الخامسة لتظاهرة “الملاية والحايك”، المنظمة تحت شعار “احكي يا قسنطينة.. الملاية تراث ورواية”، تندرج ضمن إحياء شهر التراث، بهدف تثمين الذاكرة الوطنية وصون الموروث الثقافي الملبسي الجزائري المرتبط بمدينة قسنطينة.
وأوضحت قبايلية، في تصريح لعين الجزائر، أن “الملاية والحايك” لا يمثلان مجرد لباس تقليدي يعكس أصالة المرأة الجزائرية، بل يعدان رمزاً من رموز الهوية الوطنية وذاكرة المقاومة، بالنظر إلى الدور الذي لعبته المجاهدات خلال الثورة التحريرية باستعمال هذا الزي في أداء مهام نضالية مختلفة.
وأضافت المتحدثة أن هذه الطبعة تميزت بحمل اسم الروائية العالمية وابنة قسنطينة أحلام مستغانمي، التي عبّرت عن فخرها بهذه المبادرة عبر صفحتها الرسمية، مستذكرةً تعلقها بهذا اللباس التقليدي الذي ورثته عن والدتها وجدتها، مؤكدة أن هذا التوثيق يعكس ارتباط الأجيال المتعاقبة بالموروث القسنطيني الأصيل.
كما أشارت إلى إنجاز شريط فيديو خاص داخل أروقة قصر الحاج أحمد باي، يسلط الضوء على القيمة التاريخية والثقافية للملاية والحايك، ويبرز مكانتهما في الذاكرة الشعبية والتراث الجزائري.
الباحث في التاريخ الجزائري المعاصر رياض شروانة: الملاية القسنطينية رمز للهوية الوطنية وموروث ثقافي راسخ”
أكد الباحث في التاريخ الجزائري المعاصر، رياض شروانة، أن الطبعة الخامسة لتظاهرة “الملاية القسنطينية” المنظمة بالتنسيق مع قصر الحاج أحمد باي، جاءت بهدف ترسيخ هذا الموروث الثقافي والمحافظة على رمزيته التاريخية، مشيراً إلى أن التفكير في هذا المشروع انطلق منذ أكثر من سنتين من أجل إعادة الاعتبار للملاية القسنطينية كجزء من الهوية الوطنية الجزائرية.
وأوضح شروانة، في تصريح لعين الجزائر، أن اختيار الروائية الجزائرية العالمية أحلام مستغانمي لتكون رمزاً لهذه الطبعة، جاء تقديراً لدورها في الدفاع عن التراث الوطني الجزائري والترويج له عبر منصاتها التي يتابعها الملايين داخل الجزائر وخارجها.
وأضاف المتحدث أن أحلام مستغانمي ساهمت، منذ سنوات، في التعريف بالأزياء التقليدية الجزائرية من خلال مبادرات ثقافية وإعلامية، على غرار مبادرة “نلبس جزائري”، التي سلطت الضوء على القفطان الجزائري والملاية القسنطينية، مؤكداً أن ارتباطها العاطفي بهذا اللباس التقليدي منح التظاهرة بعداً رمزياً وثقافياً مميزاً.
وأشار الباحث إلى أن توثيق ظهور أحلام مستغانمي بالملاية القسنطينية داخل أروقة قصر الحاج أحمد باي، يعكس قيمة هذا الموروث الثقافي وارتباطه بتاريخ المدينة وذاكرتها الشعبية، مؤكداً أن مثل هذه المبادرات تساهم في حماية التراث الجزائري من الاندثار وتعزيز حضوره لدى الأجيال الجديدة.
الريشةُ حينما تحكي "رواية الملاية".. الفنانة رجاء صغير توثقُ نبضَ الروحِ
في زاويةٍ فنيةٍ مميزةٍ ضمن تظاهرة "يوم الملاية والحايك" بقصر الحاج أحمد باي، برزت لوحات الفنانة التشكيلية رجاء صغير كمرآةٍ بصريةٍ تعكس عمقَ هذا الموروث القسنطيني، محولةً الريشة إلى أداة لتدوينِ حكايات
أكدت الفنانة التشكيلية رجاء أن تركيزها الفني في الأعمال المخصصة للملاية القسنطينية انصبّ بشكل أساسي على "الأعين"، واصفةً إياها بـ "نوافذ الروح" التي لا تخطئ. وأوضحت أن من خلال هذه النوافذ، استطاعت إيصال مشاعر إنسانية عميقة كما أعربت عن أملها في أن تكون قد نجحت في تجسيد تلك الأحاسيس الصادقة لزوار المعرض.
وفي لحظة اعترافٍ وجدانية، كشفت الفنانة عن علاقةٍ قديمةٍ تربطها بالملاية تعود إلى مرحلة الطفولة. حيث استحضرت ذكرياتها مع جدتها - ومراقبتها الدقيقة للطريقة المتناهية الدقة التي كانت تتبعها الجدة في ارتداء "الملاية والعجار".
الفنانة عن علاقةٍ قديمةٍ تربطها بالملاية تعود إلى مرحلة الطفولة. حيث استحضرت ذكرياتها مع جدتها - ومراقبتها الدقيقة للطريقة المتناهية الدقة التي كانت تتبعها الجدة في ارتداء "الملاية والعجار".
