السويقة ... حين يوقظ الهلال "الجميلة النائمة" من سباتها
- الصحفي صبرينة بن خريف --
- 2026-03-11 --
- 12:51:18
بين صخور قسنطينة العاتية وجسورها المعلقة، ترقد
"السويقة" معظم أيام السنة في نوع من السبات الهادئ، كأنها تحلم بأمجاد
خلت وتكتفي بأزقتها الضيقة التي تقاوم النسيان في صمت مهيب.
استطلاع: صبرينة بن خريف
لكن، وبمجرد أن يهلّ هلال شهر رمضان، تنفض هذه المدينة القديمة غبار الركود عن
أكتافها، وتستيقظ فجأة لتعيد رسم ملامح "قسنطينة الزمان" وسط حركية
صاخبة تعيد الروح إلى أركانها التي كانت بالأمس القريب ساكنة.
عين الجزائر في "السويقة": هكذا يستيقظ قلب قسنطينة العتيق من سباته الرمضاني.
تنقلت "عين الجزائر" بين هذه الدروب الملتوية، لترصد كيف تحولت
السويقة من مجرد حي عتيق إلى "محجّ" سنوي يضخ الأصالة في عروق المدينة.
فالبيوت هناك لم تعد مجرد جدران صامتة، بل أصبحت مسرحاً لبعثٍ حي؛ هنا دكان
صغير يفوح منه عطر "البيتزا" الساخنة التي تُخبز على الطريقة التقليدية
لتنافس برائحتها أرقى المخابز الحديثة، وهناك بائع "الزلابية" الذي يقف
أمام مرجله يرقب احمرار الحلقات الذهبية وسط تزاحم الزبائن، وفي زاوية أخرى يرتفع
صوت بائع "قلب اللوز" وهو ينادي بعبارات شعبية موزونة تجذب المارة،
واصفاً حلاوة بضاعته التي لا تكتمل سهرة قسنطينية بدونها.
السويقة في رمضان... محلات "البيتزا"
و"الزلابية" تعيد النبض للأزقة المهجورة.
في قلب هذا الزحام، تحدثنا مع هؤلاء الباعة؛ فمحمد "بائع اللحوم
"يرى أن الحياة لا تعود إلى عروق السويقة إلا بقدوم الصائمين الذين يصرون على
اقتناء "لحم البلاد" و"الفريك" الأصيل. بينما يؤكد مراد
"بائع التوابل" أن محله يتحول في رمضان إلى "قبلة للعطور"،
حيث يمتزج عبق القرفة بماء الزهر في سيمفونية تشمها قبل أن تراها.
أما إبراهيم، ذلك الشيخ الذي غزا الشيب مفرقه، فيقول بشغف إن المحلات تظل
صامدة رغم ترحيل الكثير من السكان، لأن "بركة المكان" تجذب الجميع بشدّة
لا تقاوم.
شهادات من رصيف الحنين.
بعد ركود طوال العام... رمضان يبعث الحياة في تجارة
"السويقة" العتيقة.
وعند توغلنا أكثر في الزوايا العتيقة، التقت "عين الجزائر" بوجوه
أخرى أبت إلا أن تشارك قصتها مع المكان؛ فقد حدثنا الشاب أمين الذي جاء من المدينة
الجديدة "علي منجلي" خصيصاً ليشتري خبز الدار التقليدي، مؤكداً أن
العصرنة لم تستطع تعويض "اللمسة اليدوية" التي لا يجدها إلا في أفران
السويقة.
كما التقينا بـ الحاج السعيد، وهو تاجر متقاعد كان يراقب الحركة بعينين
دامعتين، مشيراً إلى أن السويقة بالنسبة له ليست سوقاً بل هي "هوية"،
يزورها يومياً قبل الإفطار ليس للتسوق فحسب، بل ليستمد منها طاقة الصمود. ومن جهة
أخرى، أخبرتنا سعاد "ربة بيت" أنها ترفض شراء توابل "الشربة"
من أي مكان آخر، لأن لسر المهنة في السويقة نكهة تجعل مائدتها مختلفة عن جاراتها.
السويقة... بوصلة الحنين ورائحة الأجداد التي لا تموت
لقد وجدنا أن السويقة أصبحت "آسرة" لقلوب القسنطينيين لدرجة تفوق
الوصف؛ فعمي أحمد الذي انتقل للعيش بعيداً، اعترف لنا بأنه لا يشعر بقدسية الشهر
إلا حين يستنشق هواءها الممزوج برائحة القهوة. أما خالتي يمينة، فقد لخصت المشهد
بقولها إن "قوة الحنين" هي ما يجبرهم على العودة، فالمراكز التجارية
الحديثة رغم بريقها تفتقد لـ "الروح" التي تسكن هذه الجدران. أما فيروز،
فترى في السويقة رابطاً حسياً يعيدها إلى زمن اللقاءات الدافئة والجيران الذين
كانوا يتقاسمون طبق "الجاري" قبل الأذان.
يبقى سر الانجذاب نحو "السويقة" في رمضان لغزاً يعجز المنطق عن
تفسيره، فهي ليست مجرد رغبة في التسوق، بل هي رحلة عكس اتجاه الزمن؛ رحلة يقودها
الحنين لتنشق رائحة الأجداد العالقة في زوايا المحلات العتيقة وبين ثنايا الجدران
التي شربت عبق التاريخ.
ففي هذا الشهر، تصبح السويقة "بوصلة" تعيد القسنطينيين إلى جذورهم،
حيث لا يكتمل الصيام إلا بتلك النسمات التي تفوح بماء الزهر والبخور والتوابل التي
طُحنت بنفس الطريقة منذ قرون. إنها اللحظة التي يشعر فيها الزائر أن أرواح الماضين
لا تزال تسكن المكان، ترحب بالعائدين وتهمس في آذانهم أن الأصالة مهما غابت خلف
غبار النسيان، يوقظها هلال رمضان لتثبت أن "الريحة القديمة" هي وحدها
التي تمنح الشهر طعمه الحقيقي.
هكذا تظل السويقة في رمضان شاهدة على أن الجسد قد يرحل بعيداً، لكن الوجدان
يبقى سجيناً في تلك الأزقة، حيث يمتزج عبق التاريخ بنكهات الحاضر، وتثبت
"الجميلة النائمة" أنها لا تحتاج إلا لنفحات الشهر الفضيل لتستعيد عرشها
كقلب نابض لمدينة الجسور المعلقة.
